محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم خيانتك : أي الغدر بك والمكر والخداع ، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يقول : فقد خالفوا أمر الله ممن قبل وقعة بدر ، وأمكن منهم ببدر المؤمنين . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم ، حَكِيمٌ في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ يعني : العباس وأصحابه في قولهم : آمنا بما جئت به ، ونشهد أنك رسول الله ، لننصحن لك على قومنا يقول : إن كان قولهم خيانة فقد خانوا الله من قبل ، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يقول : قد كفروا وقاتلوك ، فأمكنك الله منهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ الآية . قال : ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عمد فنافق ، فلحق بالمشركين بمكة ، ثم قال : ما كان محمد يكتب إلا ما شئت فلما سمع ذلك رجل من الأنصار ، نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف . فلما كان يوم الفتح أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ومقيس بن صبابة ، وابن خطل ، وامرأة كانت تدعو على النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح . فجاء عثمان بابن أبي سرح ، وكان رضيعه أو أخاه من الرضاعة ، فقال : يا رسول الله هذا فلان أقبل تائبا نادما ، فأعرض نبي الله صلى الله عليه وسلم . فلما سمع به الأنصاري أقبل متقلدا سيفه ، فأطاف به ، وجعل ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يومئ إليه . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم يده فبايعه ، فقال : " أما والله لقد تلومتك فيه لتوفي نذرك " ، فقال : يا نبي الله إني هبتك ، فلولا أومضت إلي فقال : " إنه لا ينبغي لنبي أن يومض " . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يقول : قد كفروا بالله ونقضوا عهده ، فأمكن منهم ببدر . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله . وَهاجَرُوا يعني : هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم ، يعني : تركوهم وخرجوا عنهم ، وهجرهم قومهم وعشيرتهم . وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول : بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصابها في حرب أعداء الله من الكفار في سبيل الله ، يقول في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه . وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا يقول : والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه ؛ يعني أنهم جعلوا لهم مأوى يأوون إليه ، وهو المثوى والمسكن ، يقول : أسكنوهم وجعلوا لهم من منازلهم مساكن ، إذ أخرجهم قومهم من منازلهم وَنَصَرُوا يقول : ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين . أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يقول : هاتان الفرقتان ، يعني المهاجرين والأنصار ، بعضهم أنصار بعض ، وأعوان على من سواهم من المشركين ، وأيديهم واحدة على من كفر بالله ، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار . وقد قيل : إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض ، وأن الله ورث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة دون القرابة والأرحام ، وأن الله نسخ ذلك بعد بقوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ